عبد الرحمن بن ناصر السعدي
718
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان
هو الكامل من كل وجه ، الذي لا مثيل له ، فكذلك كلامه كامل من كل وجه ، لا مثيل له ، فهذا وحده ، كاف في وصف القرآن ، دال على مرتبته . ولكنه مع هذا زاد بيانا ، لكماله ، بمن نزل عليه ، وهو محمد صلى الله عليه وسلم ، الذي هو أشرف الخلق فعلم أنه أشرف الكتب ، وبما نزل به ، وهو الحق . فنزل بالحق ، الذي لا مرية فيه ، لإخراج الخلق من الظلمات إلى النور . ونزل مشتملا على الحق في أخباره الصادقة ، وأحكامه العادلة . فكل ما دل عليه ، فهو أعظم أنواع الحق ، من جميع المطالب العلمية ، وما بعد الحق إلا الضلال . ولما كان نازلا من الحق ، مشتملا على الحق لهداية الخلق ، على أشرف الخلق ، عظمت فيه النعمة ، وجلت ، وجب القيام بشكرها ، وذلك بإخلاص الدين الله ، فلهذا قال : * ( فاعبد الله مخلصا له الدين ) * أي : أخلص لله تعالى جميع دينك ، من الشرائع الظاهرة ، والشرائع الباطنة : الإسلام ، والإيمان ، والإحسان بأن تفرد الله وحده بها ، وتقصد بها وجهه ، لا غير ذلك من المقاصد . * ( ألا لله الدين الخالص ) * هذا تقرير للأمر بالإخلاص ، وبينا أنه تعالى كما أنه له الكمال كله ، وله التفضل على عباده من جميع الوجوه ، فكذلك له الدين الخالص ، والصافي من جميع الشوائب . فهو الدين الذي ارتضاه لنفسه ، وارتضاه لصفوة خلقه ، وأمرهم به ؛ لأنه متضمن للتأله لله في حبه ، وخوفه ، ورجائه ، والاإنابة إليه ، وتحصيل مطالب عباده . وذلك الذي يصلح القلوب ويزكيها ويطهرها ، دون الشرك به في شيء من العبادة . فإن الله بريء منه ، وليس لله فيه شيء ، فهو أغنى الشركاء عن الشرك . وهو مفسد للقلوب والأرواح ، والدنيا والآخرة مشق ، للنفوس غاية الشقاء . فلذلك لما أمر بالتوحيد والإخلاص ، نهى عن الشرك به ، وأخبر بذم من أشرك به فقال : * ( والذين اتخذوا من دونه أولياء ) * أي : يتولونهم بعبادتهم ودعائهم ، معتذرين عن أنفسهم وقائلين : * ( ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ) * أي : لترفع حوائجنا لله ، وتشفع لنا عنده . وإلا ، فنحن نعلم أنها ، لا تخلق ، ولا ترزق ، ولا تملك من الأمر شيئا . أي : فهؤلاء ، قد تركوا ما أمر الله به من الإخلاص ، وتجرؤوا على أعظم المحرمات ، وهو الشرك ، وقاسوا الذي ليس كمثله شيء ، الملك العظيم ، بالملوك . وزعموا بعقولهم الفاسدة ، ورأيهم السقيم ، أن الملوك كما أنه لا يوصل إليهم إلا بوجهاء ، وشفعاء ، ووزراء يرفعون إليهم حوائج رعاياهم ، ويستعطفونهم عليهم ، ويمهدون لهم الأمر في ذلك أن الله تعالى كذلك . وهذا القياس من أفسد الأقيسة ، وهو يتضمن التسوية بين الخالق والمخلوق ، مع ثبوت الفرق العظيم ، عقلا ، ونقلا ، وفطرة فإن الملوك ، إنما احتاجوا للوساطة بينهم وبين رعاياهم ، لأنهم لا يعلمون أحوالهم . فيحتاجون إلى من يعلمهم بأحوالهم ، وربما لا يكون في قلوبهم رحمة لصاحب الحاجة . فيحتاج من يعطفه عليهم ويسترحمه لهم ، ويحتاجون إلى الشفعاء والوزراء ، ويخافون منهم ، فيقضون حوائج من توسطوا لهم مراعاة لهم ، ومداراة لخواطرهم . وهم أيضا فقراء ، قد يمنعون ، لما يخشون من الفقر . وأما الرب تعالى ، فهو الذي أحاط علمه بظواهر الأمور وبواطنها ، الذي لا يحتاج إلى من يخبره بأحوال رعيته وعباده . وهو تعالى ، أرحم الراحمين ، وأجود الأجودين ، لا يحتاج إلى أحد من خلقه ، يجعله راحما لعباده ، بل هو أرحم بهم من أنفسهم ووالديهم . وهو الذي يحثهم ويدعوهم إلى الأسباب التي ينالون بها رحمته . وهو يريد من مصالحهم ، ما لا يريدونه لأنفسهم . وهو الغني ، الذي له الغنى التام المطلق ، الذي لو اجتمع الخلق في أولهم وآخرهم في صعيد واحد ، فسألوه ، فأعطى كلا منهم ما سأل وتمنى ، لم ينقصوا من غناه شيئا ، ولم ينقصوا مما عنده ، إلا كما ينقص البحر إذا غمس فيه المخيط . وجميع الشفعاء يخافونه ، فلا يشفع منهم أحد إلا بإذنه ، وله الشفاعة كلها . فبهذه الفروق ، يعلم جهل المشركين به ، وسفههم العظيم ، وشدة جرائتهم عليه . ويعلم أيضا ، الحكمة في كون الشرك لا يغفره الله تعالى ؛ لأنه يتضمن القدح في الله تعالى . ولهذا قال حاكما بين الفريقين ، المخلصين والمشركين ، وفي ضمنه التهديد للمشركين : * ( إن الله يحكم بينهما فيما هم فيه يختلفون ) * . وقد علم أن حكمة الله أن المؤمنين المخلصين في جنات النعيم ، أن من